القائمة الرئيسية

الصفحات


تلقى رواجا كبيرا وتدرّ أرباحا طائلة على أصحابها تربية الحلزون.. حرفة جديدة واستثمار يغري الشباب بميلة


”الحاجة أم الاختراع” قول ينطبق على شباب من ولاية ميلة، الذين لم يستسلموا لشبح البطالة ورفضوا أن يكونوا فريسة للفقر والعوز والتحجج بغياب فرص العمل والتشغيل، حيث توجه الكثير من شبان وعائلات وشيوخ ولاية ميلة نحو الطبيعة يطوّعونها ويستخرجون منها كنوزها وخيراتها ولم ينتظروا لتمطر عليهم السماء ذهبا أو فضة، فراحوا يضربون في الأرض يقلّبونها بحثا عن مادة لم تكن لها قيمة من قبل 6 سنوات خلت ولم يكن هناك من يعيرها أدنى اهتمام، ليكتشف سكان ولاية ميلة أن عملة صعبة تزخر بها حقول منطقتهم.. هذه العملة تسمى ”الحلزون”.

هذا الكائن الحي الصغير أصبح مصدر عيش للعديد من عائلات الولاية، اكتشف أمره منذ حوالي 10 سنوات بعد أن قام أحد التجار بجمعه ثم تسويقه ليفتح مجالا واسعا أمام عائلات وشباب الولاية، الذين تدفقوا على الحقول فرادى وجماعات لجمع السلعة الثمينة وتوديع البطالة والفاقة، حيث أصبحت العائلات تخرج بكل أفرادها إلى الحقول بحثا عن هذه المادة وجمع كميات كبيرة من الحلزون، ثم تسويقها خاصة وأن مبيعاته مغرية نظرا لسعره الذي يتراوح بين800 دينار و1000 دينار، وقد ساعد ذلك على انتشار واسع لهذا النشاط الاقتصادي وأصبح حرفة تعرف بها ولاية ميلة وتدرّ أرباحا ومداخيل هامة على عائلات كانت قبل ذلك تعاني حياة الشظف والعوز. وفي سنة 2011 دخلت ولاية ميلة تجربة جديدة في ميدان الإنتاج الفلاحي وتطويره، من خلال استثمار بعض الشباب في زراعة وتربية الحلزون على ضفاف حوض سد بني هارون، بعدما كان الأمر من قبل يقتصر على جمعيه وتسويقه للخارج. واهتدى الناشطون في هذا المجال لاقتصادي إلى تأسيس جمعيات تتولى انشغالاتهم وتنظم نشاطهم وتسعى لتسهيل عملية التسويق والتصدير إلى الخارج عن طريق مصدرين بالمنطقة أو من خارج الولاية. غير أن الأمر لم يتوقف بالنسبة لبعض الشبان عند حد الجمعية، حيث كانت طموحاتهم أبعد وتمكن البعض من رفع التحدي والاستثمار في هذا الحيوان الذي تحوّل بمرور الزمن إلى عملة صعبة.

أهل الاختصاص
للحلزون أعداء ينبغي محاربتهم
يؤكد بعض الفلاحين أن للحلزون أعداء وهي الطيور، وبالخصوص الزرزور الذي كثيرا ما يلحق أضرارا كبيرة بهذا الحيوان، ويتم صدّه بواسطة ”الشبهة”، وهو شبيه الرجل المصنوع من الأعواد والقش والتي توصل مجموعتها بخيوط ”الكاسيت” هذه الأخيرة، حيث تصدر صوتا أثناء هبوب الرياح الخفيفة يفزع منها الزرزور.
أما العدو الثاني للحلزون فهو الفأر فتتم محاربته بالدواء، وهناك عدو ثالث يخلق من الحلزون الميت نفسه، وهي حشرة آكلة للحلزون الحي، وهذه يمنع تكاثـرها من خلال دفن الحلزون الميت على عمق معين مع رشه بالدواء، حتى لا يكون مصدرا لإنتاج الحشرة سالفة الذكر.

وقد وفرت المزرعة كل ما يلزم للتربية من واقيات وسياج مجهز بدواء خاص يمنع الحلزون أثناء مرحلة التسمين من الفرار والانتشار، بالإضافة للمياه الحلوة التي تتوفر عليها المنطقة كون المياه المالحة غير مساعدة على حياة الحلزون والمأكولات الأخرى من سلاطة وسلق وكرم المزروعة، بالإضافة للنباتات البرية المتواجدة هناك، مثل الخرشوف والبرواق والعنصر، وهناك فرينة مركبة تحتوي زيادة في عنصر الكالسيوم تساعد على تقوية قوقعة الحلزون الصغير، يتم استيرادها من ايطاليا.

المساحة المزروعة هذه السنة، والتي تعتبر بداية لتجربة غير مسبوقة وطنيا هي هكتار واحد في بداية الأمر. علما أن المتر المربع منه، مثلما تقول الدراسات العلمية، يتسع لعشرة كيلوغرامات من الحلزون، غير أن صاحب المزرعة فضّل أن يعطي مساحة أكبر للحلزون من خلال زرع كمية أقل في المساحة المذكورة.

ويتميز الحلزون عن غيره من الحيوانات من حيث طريقة تكاثـره فهو الحيوان الوحيد الخنثى، فهو يعتمد على نفسه ولا يحتاج إلى غيره في عملية التكاثر. وتمتد فترة التكاثـر عند الحلزون بداية من شهر أكتوبر لتدوم بين 35 إلى 40 يوما في المجموع، وهي فترة تختلف في الجزائر عنها في أوروبا، وتسمح للحلزون الواحد بإنتاج بين 50 إلى 300 بيضة، وهو مردود يعتبر جيدا، ليدخل بعدها في مرحلة السبات مع الانخفاض الكبير لدرجة الحرارة، حيث تسير مرحلة النمو ببطء شديد، وهذا إلى غاية شهر مارس مع حلول فصل الربيع، حيث تبدأ مرحلة التسمين الحقيقية، والتي تدوم ثلاثة أشهر وأكثـر، لينطلق التصدير شهر جوان مثلما هو مسطر باتجاه أوروبا.

بورتري
رياض بوعش.. قصة نجاح شاب

يعتبر الشاب رياض بوعش من بين النماذج التي شقت طريقها نحو النجاح والاستثمار المربح الذي قام بتجربة لم تكن في البداية مضمونة العواقب، لكن إرادته القوية وإيمانه بالنجاح حفزاه على تجريب حظه بالرغم من عدم امتلاكه لخبرة في الميدان وبعده عن المجال الفلاحي، لكن تشجيع وزير القطاع للاستثمار في زراعة وتربية الحلزون وعدم الاقتصار على جمعه وبيعه بوضع قرض ”الرفيق” في الخدمة، زاد من عزم الشاب بوعش على الذهاب بعيدا في هذه التجربة الجديدة. يقول المستثمر الشاب رياض بوعش إن بدايته كانت أولا مع الإجراءات الإدارية، حيث وبعد أن اشترى قطعة أرض من أحد الخواص توجه لأجهزة التشغيل للحصول على الدعم والتغطية المالية، ثم استخرج بطاقة حرفي في هذا النشاط، وراح بعد ذلك يبحث ويطالع عبر شبكة الأنترنت المواقع التي زادته معلومات ومعرفة تقنيات هذا النشاط.

تربية الحلزون كمشروع- يقول صاحبه- لا يتطلب تقنيات عالية أو إمكانيات كبيرة، رغم أنه مجال مربح مضمون بالنظر للطلب الكبير على منتوجه في أوروبا، فهو يحتاج لشروط بسيطة تتوفر عليها المنطقة، منها مساحة أرضية والرطوبة العالية جدا، زيادة على زراعة بعض الخضروات كالبسباس والبصل والكرم لتغذيته، هذه الأخيرة لا يحتاج منها سوى أوراقها، أما لبها والجزء المهم فيها فمصيره السوق لفائدة الإنسان. مع الإشارة إلى أن النوعية المقصودة من الحلزون هو حلزون الجزائر، لتفرده بتواجده بمنطقتي ميلة وجيجل، وهي نوعية مقاومة للحرارة والبرودة على حد سواء، وفي فرنسا تدفع الدولة هناك دعما للفلاحين من أجل التوجه إلى هذا النشاط الاقتصادي.

بوعش، وطبقا للشروط المذكورة، اختار منطقة باينان الواقعة غير بعيد عن سد بني هارون، والمتميزة ببرودتها والرطوبة العالية لينشئ أول مشتلة لتربية الحلزون، قال محدثنا إن ذلك يعود للعوامل الطبيعية السالف ذكرها، وهي الأرض والرطوبة التي يوفرها حاليا سد بني هارون، ثم إن المنطقة معروفة من قبل بتواجد الحلزون، ولم يكن من السهل على هذا الشاب أن يتعهد مزرعته بالرعاية والعناية وحماية الحلزون من أمراض أو مفترسيه.

مصدّر يشجع الشباب على الاستثمار في تربية الحلزون
أحد المصدّرين المهتمين بهذا النوع من الإنتاج ثمّن فكرة الاستثمار وخلق مؤسسات شبانية للغرض ذاته، وأوضح أنه متفاعل معها ومشجع لها، بما يملك من معارف وقدرات وضمانات لمؤسسته بالتكفل بتسويق المنتوج. فقد سجل بأن ولاية ميلة تتوفر على أربعة أسواق كبيرة هي زغاية وفرجيوة والقرارم قوقة والرواشد، حيث تشهد دخول كميات كبيرة من الحلزون البري، غير المربى، وتشكل مصبا طبيعيا لهذا المنتوج وقت بيعه، والذي يتزامن مع عطلة الربيع إلى غاية عطلة الصيف، ما يشجع الأطفال بالخصوص على جمعه.

الحلزون الجزائري الأكثـر طلبا في أوروبا
يلقى الحلزون الجزائري رواجا كبيرا له في الأسواق الأوربية بالنظر لقيمته الغذائية، وقد وصل سعر الكيلوغرام منه إلى 16 أورو بالنسبة لنوع آبيرتا ونصف القيمة بالنسبة للنوع الأخر، داعيا في الوقت نفسه الشباب البطال إلى سلوك مسلك هذا المربي واستغلال فرص الدعم التي توفرها أجهزة الدولة، بما فيها صندوق الزكاة خاصة، ومساحات واسعة محيطة بأحواض السدود التي تتوفر عليها ولاية ميلة حاليا وقريبة منها لا زالت لحد الساعة عذراء تنتظر من يحرّك جوفها.

القيمة الغذائية للحلزون
للحلزون قيمة غذائية هامة، فلحمه من اللحوم الخفيفة لاحتوائه كمية أقل من البروتينات مقارنة ببقية الحيوانات، وهو غني بالفيتامينات، كما أنه يجمع بين مكونات النبات والحيوان. وكشفت الأبحاث أن نسبة البروتين تصل إلى 16%، والدهون إلى 2,4% ونسبة الماء تناهز 80%. ويحتوي الحلزون على الأملاح الدقيقة مثل المغنيزيوم والفوسفور والبوتسيوم والزنك والنحاس والسيلينيوم بكميات متفاوتة. ويؤكد أحد الأطباء على أن لحم الحلزون، بما يحتويه من فيتامينات، يساعد مرضى السكري، كما أنها لا تحتوي على ما يضر بالجسم لمكوناتها النباتية والحيوانية.


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات